بين ثقافة المجتمع ومفاهيم المساواة.. جدل بعد طمس شعارات حقوق المرأة في الطبقة السورية
بين ثقافة المجتمع ومفاهيم المساواة.. جدل بعد طمس شعارات حقوق المرأة في الطبقة السورية
شهدت مدينة الطبقة في ريف الرقة حادثة أثارت جدلاً واسعاً، بعدما أقدم عدد من الشبان على مسح وإزالة عبارات وشعارات كانت مكتوبة على جدران مدارس ومؤسسات عامة، تدعو إلى حماية المرأة وصون حرياتها وتعزيز حقوقها في المجتمع، الخطوة التي وثقها تسجيل مصور وأعيد تداولها على نطاق واسع، أعادت إلى الواجهة النقاش حول موقع قضايا المرأة في الفضاء العام، وحول طبيعة التحولات الاجتماعية والفكرية التي تعيشها سوريا في المرحلة الراهنة.
توثيق الحادثة
بحسب ما رصده المرصد السوري لحقوق الإنسان، ظهر الشبان الذين أطلقوا على أنفسهم اسم فريق الطبقة التطوعي في تسجيل وهم يزيلون الشعارات من الجدران، مبررين خطوتهم بأن تلك العبارات لا تنسجم مع ثقافتهم المحلية، وأكدوا رفضهم لأي شعارات توحي بدعم حرية المرأة أو المساواة بين الجنسين، خاصة تلك التي كانت قد اعتمدتها الإدارة الذاتية سابقاً في خطابها العام وطبعتها على جدران المدينة ضمن حملات توعوية مرتبطة بالحريات والحقوق العامة.
هذا التبرير فتح باباً واسعاً للنقاش في سوريا، إذ اعتبره البعض تعبيراً عن موقف اجتماعي محافظ يرى في بعض مفاهيم المساواة مفهوماً وافداً لا يتوافق مع العادات المحلية، بينما رأى آخرون أن إزالة الشعارات تمثل مؤشراً على تراجع المساحات العامة التي كانت مخصصة للتعبير عن قيم الحقوق والمشاركة المتساوية.
تحولات بعد تغيّر السيطرة
تأتي هذه الحادثة في سياق أوسع عقب خروج منطقة الرقة من سيطرة الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية، وهو تطور سياسي وعسكري انعكس بدوره على المشهد الاجتماعي والثقافي، فخلال السنوات الماضية، ارتبطت صورة الإدارة الذاتية بسياسات تعزز مشاركة المرأة في مختلف القطاعات، سواء في المؤسسات المدنية أو الإدارية، مع تركيز واضح على إبراز دورها القيادي ضمن خطاب يروّج لقيم الحريات والحقوق العامة.
ومع تغيّر موازين السيطرة، تبدو المدينة أمام مرحلة جديدة يعاد فيها تعريف الفضاء العام وحدود الخطاب المقبول فيه، وإزالة الشعارات لا تبدو حدثاً معزولاً بقدر ما تعكس، في نظر مراقبين، محاولة لإعادة تشكيل الهوية الرمزية للمكان، بدءاً من الجدران التي كانت تحمل رسائل محددة حول المساواة والحقوق.
الفضاء العام كساحة صراع رمزي
الجدران في المدن الخارجة من النزاعات لا تكون مجرد إسمنت وحجارة، بل تتحول إلى مساحة للتعبير عن القوى المتنافسة ورؤاها للمجتمع، ففي الطبقة، كما في مدن سورية أخرى، لعبت الشعارات دوراً رمزياً في ترسيخ سرديات معينة حول شكل المجتمع المنشود، سواء تعلق الأمر بالحريات أو بالهوية أو بدور المرأة.
إزالة هذه العبارات من المدارس والمؤسسات العامة تحمل دلالة خاصة، إذ إن المدرسة تُعد فضاءً تربوياً يعكس التوجهات الفكرية التي يراد غرسها في الأجيال الجديدة، ولذلك رأى ناشطون أن ما جرى يتجاوز مسألة الطلاء وإعادة الدهان، ليصل إلى مستوى إعادة تعريف الرسائل التي يُسمح بعرضها في الأماكن العامة.
مخاوف من تقييد الحريات
الحادثة أثارت مخاوف في أوساط حقوقية من تصاعد خطاب تقييد الحريات، خاصة في ما يتعلق بحقوق النساء، فالشعارات التي أزيلت كانت تتناول مفاهيم مثل حماية المرأة وتعزيز دورها في المجتمع، وهي عناوين ترتبط باتفاقيات دولية ومعايير حقوقية تسعى إلى ضمان مشاركة النساء في الحياة العامة داخل سوريا ومنع التمييز ضدهن.
ويرى متابعون أن رفض هذه المفاهيم تحت عنوان عدم الانسجام مع الثقافة قد يفتح الباب أمام تبرير تقليص حضور المرأة في المجال العام أو تقويض المكاسب التي تحققت خلال السنوات الماضية، لا سيما في مجالات التعليم والعمل والإدارة المحلية.
بين الثقافة والحقوق
في المقابل، يدافع بعض الأهالي عن حق المجتمع المحلي في تحديد القيم التي يريد إبرازها في فضائه العام، معتبرين أن فرض شعارات بعينها خلال فترات سابقة لم يكن محل توافق كامل بين السكان، ويؤكد هؤلاء أن النقاش حول حقوق المرأة يجب أن ينطلق من حوار مجتمعي يأخذ في الاعتبار الخصوصية الثقافية والدينية للمنطقة.
غير أن خبراء في الشأن الاجتماعي يحذرون من استخدام مفهوم الخصوصية الثقافية كذريعة لإقصاء مفاهيم المساواة الأساسية، مشيرين إلى أن الحقوق لا ينبغي أن تخضع بالكامل لموازين القوى المتغيرة، وأن أي تراجع في الخطاب الداعم لحقوق النساء قد ينعكس على أوضاعهن العملية في الحياة اليومية.
إرث السياسات السابقة
خلال سنوات سيطرة الإدارة الذاتية، تبنت مؤسساتها سياسات ركزت على إشراك المرأة في مواقع صنع القرار، وأقرت آليات لتمثيلها في المجالس المحلية والإدارات المدنية، كما روجت لخطاب يقوم على إبراز دورها القيادي في المجتمع السوري، سواء من خلال الحملات الإعلامية أو البرامج التعليمية.
هذا الإرث بات اليوم موضع مراجعة ضمن سياق سياسي جديد، حيث تعاد صياغة أولويات الخطاب العام، وبين من يرى في تلك السياسات تجربة إيجابية لتعزيز المشاركة، ومن يعتبرها نموذجاً غير متجذر اجتماعياً، تبقى النساء في قلب هذا الجدل، باعتبارهن المعنيات المباشرات بأي تحولات في السياسات أو الخطاب.
مستقبل النقاش في الرقة
ما جرى في الطبقة يعكس مرحلة انتقالية دقيقة تعيشها مناطق شمال شرق سوريا، حيث تتقاطع التحولات السياسية مع إعادة تشكيل القيم العامة. ويجمع مراقبون على أن إدارة هذا التحول تتطلب حواراً مجتمعياً واسعاً يضمن عدم انزلاق النقاش إلى استقطاب حاد بين دعاة المحافظة وأنصار المساواة.
فالمجتمعات الخارجة من النزاعات تحتاج إلى مساحات آمنة للنقاش حول قضاياها الحساسة، وفي مقدمتها دور المرأة وحقوقها، بعيداً عن منطق الإلغاء أو الفرض، وإلا فإن أي محاولة لفرض رؤية أحادية قد تعمق الانقسامات وتؤثر سلباً على تماسك المجتمع المحلي.
تقع مدينة الطبقة في ريف الرقة الغربي، وشهدت خلال السنوات الماضية تحولات متسارعة في السيطرة والنفوذ، بعد طرد تنظيم الدولة الإسلامية من المنطقة في عام 2017، خضعت المدينة لإدارة الإدارة الذاتية المدعومة من قوات سوريا الديمقراطية، التي اعتمدت خطاباً سياسياً واجتماعياً يركز على مفاهيم اللامركزية وحقوق المرأة والمساواة بين الجنسين، ومع تغير السيطرة في عام 2026، دخلت المنطقة مرحلة جديدة تتسم بإعادة ترتيب الأولويات السياسية والاجتماعية، ويأتي الجدل حول إزالة شعارات حقوق المرأة في هذا السياق الأوسع من التحولات، حيث تتداخل الاعتبارات الثقافية والسياسية في رسم ملامح الفضاء العام ومستقبل الخطاب الحقوقي في المدينة.










